الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

75

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 11 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) أعيد اسم الإشارة للوجه الذي تقدم في قوله : ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ [ محمد : 3 ] وقوله : ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [ محمد : 4 ] . واسم الإشارة منصرف إلى مضمون قوله : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [ محمد : 10 ] بتأويل : ذلك المذكور ، لأنه يتضمن وعيدا للمشركين بالتدمير ، وفي تدميرهم انتصار للمؤمنين على ما لقوا منهم من الأضرار ، فأفيد أن ما توعدهم اللّه به مسبب على أن اللّه نصير الذين آمنوا وهو المقصود من التعليل وما بعده تتميم . والمولى ، هنا : الولي والناصر . والمعنى : أن اللّه ينصر الذين ينصرون دينه وهم الذين آمنوا ولا ينصر الذين كفروا به ، فأشركوا معه في إلهيته وإذا كان لا ينصرهم فلا يجدون نصيرا لأنه لا يستطيع أحد أن ينصرهم على اللّه ، فنفي جنس المولى لهم بهذا المعنى من معاني المولى . فقوله : وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ أفاد شيئين : أن اللّه لا ينصرهم ، وأنه إذا لم ينصرهم فلا ناصر لهم ، وأما إثبات المولى للمشركين في قوله تعالى : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ إلى قوله : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ يونس : 28 - 30 ] فذلك المولى بمعنى آخر ، وهو معنى : المالك والرب ، فلا تعارض بينهما . [ 12 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 12 ] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 ) استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قوله : بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] عن حال المؤمنين في الآخرة وعن رزق الكافرين في الدنيا ، فبيّن اللّه أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا ، وأنّ ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا عبرة به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا أكل وتمتع كحظ الأنعام ، وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب ، فقوله : وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ في معنى قوله في سورة آل عمران [ 196 ، 197 ] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ . وهذا الاستئناف وقع اعتراضا بين جملة أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [ محمد : 10 ] وجملة وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [ محمد : 13 ] الآية .